القائمة الرئيسية

الصفحات

أحمد الجزار يكتب... الدراما المصرية بين الترفيه وتشكيل الوعي المجتمعي


 




لم يعد أخطر ما يهدد المجتمعات هو انتشار الجريمة، بل اعتياد الناس عليها. فالمجتمعات لا تنهار حين يظهر الشر، بل حين يتوقف أفرادهـا عن الشعور بالصدمة تجاهه. هذه هي اللحظة الفاصلة التي يتحول فيها الانحدار الأخلاقي من ظاهرة طارئة إلى حالة عامة.

نحن الآن نعيش زمنًا تتدفق فيه صور العنف والانحراف عبر الشاشات بلا توقف؛ نشرات الأخبار، المنصات الرقمية، الأعمال الدرامية، ومقاطع التواصل الاجتماعي. ومع هذا التدفق المستمر، يحدث تحول نفسي خفي: المشهد الذي كان يثير الفزع بالأمس، يمر اليوم مرورًا عاديًا، وغدًا قد يُستقبل بلا أي رد فعل. هذه ليست مبالغة أدبية، بل آلية نفسية معروفة؛ التكرار يخلق الألفة، والألفة تضعف الحساسية، وضعف الحساسية يمهّد للتقبل.

الدراما بوصفها أحد أقوى أدوات التأثير الثقافي لم تعد مجرد وسيلة حكي وترفيه، بل صارت في كثير من الأحيان وسيلة تشكيل وعي. المشكلة لا تكمن في عرض الشر، والفساد فالفن الحقيقي لا يتجاهل الواقع، وإنما تكمن في الطريقة التي يُقدَّم بها. هناك فرق جوهري بين عمل فني يكشف قبح الجريمة ليزرع رفضها، وآخر يقدّمها في إطار جذاب يجعلها مثيرة للاهتمام أو التعاطف. الأول يعزز المناعة الأخلاقية، والثاني يضعفها تدريجيًا.

حين يُصوَّر العنف باعتباره شجاعة، والانحراف باعتباره جرأة، والاعتداء باعتباره قوة شخصية، فإن الرسالة الضمنية لا تبقى على الشاشة؛ بل تتسلل إلى الوعي الجمعي. ومع الوقت، لا يصبح المشاهد متأثرًا فقط، بل متكيّفًا. وهنا تحديدًا يكمن الخطر: التكيّف مع الخطأ أخطر من ارتكابه، لأنه يمهّد له ويبرره.

المفارقة أن كثيرين يختزلون الأمر في عبارة: “إنه مجرد تمثيل”. لكن التاريخ الثقافي يثبت أن الفنون لم تكن يومًا مجرد ترفيه؛ بل كانت دائمًا قوة ناعمة تصوغ الأفكار والاتجاهات. ما يتكرر أمام العين يستقر في العقل، وما يستقر في العقل ينعكس — عاجلًا أو آجلًا — في السلوك.

ليست الدعوة إلى محاربة الفن أو تقييد الإبداع، بل إلى استعادة وعي المشاهدة. فالمشكلة لا تبدأ من الشاشة، بل من المتلقي. المجتمع الذي يحتفظ بحساسيته الأخلاقية يستطيع مشاهدة أي عمل دون أن يفقد بوصلته. أما المجتمع الذي تتآكل حساسيته، فإنه لا يحتاج إلى تحريض مباشر على الخطأ؛ يكفيه التعود عليه.

أخطر خسارة قد يتعرض لها الإنسان ليست فقدان الأمن، بل فقدان القدرة على الاشمئزاز من القبح. لأن هذه القدرة تحديدًا هي خط الدفاع الأول عن الضمير الإنساني.  فإذا سقط هذا الخط، لم يعد سقوط ما بعده مستبعدًا.

الشر لن يختفي من العالم، لكن السؤال الحقيقي: هل ما زلنا نرفضه… أم بدأنا نعتاد عليه؟

تعليقات

التنقل السريع