القائمة الرئيسية

الصفحات

الصمت من أجل المصلحة… هكذا هو حال روسيا والصين

  بقلم.. رقية الاشرم


 

 
في السياسة الدولية لا توجد صداقات دائمة، بل مصالح دائمة. وحين تشتعل الحروب، ينكشف الفرق بين الخطاب العالي والسلوك العملي. من هنا يمكن فهم ما يمكن تسميته بـ"الصمت من أجل المصلحة"؛ صمتٌ محسوب تتقنه موسكو وبكين حين تجدانه الطريق الأقصر لحماية أوراقهما الكبرى.
خلال التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، بدت طهران في لحظاتٍ وكأنها تستند إلى وعودٍ شرقية تُوازن الضغط الغربي. لكن عندما ارتفعت كلفة المواجهة، تقدّم الحساب البارد على الحماس السياسي. لم نرَ انخراطًا عسكريًا مباشرًا من روسيا أو الصين؛ بل بيانات محسوبة، ودعوات لخفض التصعيد، وحركة دبلوماسية لا تخرج عن سقف المصالح.
روسيا، المنشغلة بتوازناتها المعقّدة في أوروبا وآسيا، تدرك أن فتح جبهة صريحة مع واشنطن في ساحة أخرى قد يبدد أوراقًا تفاوضية تحتاجها في ملفات أكثر إلحاحًا. أما الصين، التي تبني مشروعها الاقتصادي العالمي على الاستقرار وسلاسل الإمداد، فلا تميل إلى خوض حروب خارج حدودها من أجل طرفٍ بعينه. قد تُرسل إشارات دعم، أو صفقات تسليح محدودة، لكنها تتجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة تُهدد تجارتها ونموها.
هكذا تُدار اللعبة: دعمٌ لا يصل إلى حد التضحية، وصمتٌ لا يعني التخلي الكامل، بل إعادة تموضع. في عالمٍ تحكمه المصالح، تُقاس الخطوات بميزان الربح والخسارة لا بميزان الشعارات. ومن يقرأ المشهد بعيون العاطفة قد يظن أن الحلفاء سيقفون حتى النهاية، لكن التاريخ يكرر درسًا واحدًا: الدول العظمى لا تحارب إلا إذا كان ثمن عدم الحرب أكبر من ثمنها.
"الصمت من أجل المصلحة" ليس حيادًا أخلاقيًا بقدر ما هو براغماتية باردة. إنه فنّ الانتظار حتى تتضح نتيجة العاصفة، ثم الدخول من الباب الذي يضمن المكسب الأكبر. وفي النهاية، يبقى السؤال: هل تعي القوى الإقليمية أن الاعتماد على وعود الخارج قد يتحول في لحظة الحقيقة إلى صمتٍ مدوٍّ؟

تعليقات

التنقل السريع