الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند لا يمكن فصله عن السياق العام لسلوك كيان لم يعرف يومًا بصناعة السلام، بل بصناعة الوقائع القسرية وفرض الأمر الواقع ثم مطالبة العالم بالتعايش معه. الدولة التي ما زالت تحتل أرضًا فلسطينية، وتحاصر شعبًا كاملًا، وتضرب بعرض الحائط قرارات الشرعية الدولية منذ عقود، لا تملك أي رصيد أخلاقي يخولها التحدث عن الاستقرار أو دعم الكيانات أو حماية الديمقراطية في أي مكان من العالم. ومن يصدق غير ذلك إما يتجاهل التاريخ عمدًا، أو يختار أن يرى السياسة بذاكرة مثقوبة.
ما يحدث الآن في القرن الإفريقي ليس منفصلًا عن فلسطين، بل امتداد طبيعي للعقلية نفسها. العقلية التي اعترفت بالقدس عاصمة موحدة، وشرعنت الاستيطان، وحوّلت الاحتلال إلى “نزاع”، تعود اليوم لتمنح الشرعية لكيان انفصالي خارج إطار الدولة الأم، وكأن وحدة الدول مبدأ انتقائي يُحترم حين يخدم مصالحها، ويُدهس حين يعوق توسعها.
الاعتراف بصوماليلاند ليس دعمًا لشعب ولا دفاعًا عن حق تقرير المصير، بل استخدام مباشر لفكرة الانفصال كسلاح سياسي، وهي الفكرة ذاتها التي لطالما غذّت الفوضى بدل أن تحل الأزمات.
الترويج الإعلامي لصوماليلاند باعتبارها نموذجًا للاستقرار والديمقراطية يخفي حقيقة أبسط وأكثر خطورة، وهي أن الاستقرار المفروض بالقفز فوق الدولة الأم لا يصنع دولة، بل يصنع كيانًا هشًا يعتمد في بقائه على الحماية الخارجية. وهذا النوع من الكيانات لا يعيش مستقلًا، بل يتحول سريعًا إلى منصة نفوذ، أو ورقة ضغط، أو ساحة صراع بالوكالة. التاريخ القريب في المنطقة العربية والإفريقية مليء بأمثلة مشابهة، وكلها انتهت إلى مزيد من الانقسام، لا إلى السلام.
الخطورة هنا لا تنبع من صوماليلاند وحدها، بل من الجهة التي اختارت الاعتراف بها، ومن الموقع الجغرافي الذي جرى اختراقه. إسرائيل ليست لاعبًا عاديًا في إفريقيا، بل دولة ذات تاريخ طويل في بناء علاقات أمنية واستخباراتية مع دول وجماعات، واستخدام الأطراف الهشة كنقاط ارتكاز بعيدة عن الأضواء. القرن الإفريقي، بقربه من البحر الأحمر وباب المندب وإثيوبيا، وباتصاله غير المباشر بملف مياه النيل، ليس مساحة هامشية يمكن تجاهلها، بل أحد المفاتيح الجيوسياسية الأكثر حساسية لمصر والمنطقة كلها.
ومن الخطأ الفادح النظر إلى هذا التطور بعين الحاضر فقط. السياسة لا تُقاس بما هو قائم الآن، بل بما يُمهد له. الاعتراف السياسي هو أول الطريق، يليه التمثيل الدبلوماسي، ثم التعاون الاقتصادي، ثم الأمني، ثم يتحول الوجود غير المعلن إلى نفوذ راسخ يصعب كسره. هكذا تُبنى الوقائع، لا بالضجيج، بل بالتدرج. ومن يطالب بدليل عسكري فوري، كمن يطالب برؤية النار قبل أن يعترف بخطر الشرارة.
القلق المصري في هذا السياق ليس رد فعل مبالغًا فيه، ولا خطابًا تعبويًا، بل قراءة واقعية لمعادلة معقدة. مصر التي دفعت ثمن الفوضى في جوارها الإقليمي أكثر من مرة، تدرك أن اللعب في خرائط الدول الضعيفة لا يتوقف عند حدودها، وأن أي خلل في القرن الإفريقي يرتد عاجلًا أو آجلًا على أمن البحر الأحمر، وعلى توازنات المنطقة، وعلى ملفات حيوية لا تحتمل المغامرة أو التجريب.
أما استخدام اسم “اتفاقيات أبراهام” لتجميل هذه الخطوة، فهو ذروة المفارقة. كيف يُستدعى اسم السلام لتبرير اعتراف صادر عن دولة ما زالت ترفض الاعتراف بحق شعب كامل في الحرية والدولة؟ وكيف تتحول الاتفاقيات التي قُدمت باعتبارها مسار تهدئة إلى مظلة سياسية تُمرر تحتها خطوات توسعية جديدة؟ السلام لا يُقاس بعدد الاتفاقيات، بل بعدد الحقوق التي تُحترم، وعدد الأراضي التي تُعاد لأصحابها، وعدد الشعوب التي تُرفع عنها الحصار والقوة.
القضية ليست من شارك ومن صمت، بل أن هناك دولة تمارس السياسة بالمنطق ذاته الذي مارسته في فلسطين: خلق واقع جديد، فرضه بالقوة السياسية، ثم مطالبة الجميع بالتكيف معه. هذا المنطق، إن لم يُواجَه بالوعي والفهم والتحرك المدروس، لا ينتج سلامًا، بل يعيد إنتاج الأزمات بأسماء جديدة وأماكن مختلفة.
ما يحدث اليوم ليس نهاية المشهد، بل بدايته. وهو ليس أزمة بعيدة عن مصر، ولا شأنًا إفريقيًا خالصًا، بل تطور يمس جوهر الأمن القومي العربي، ويكشف مرة أخرى أن الحديث عن السلام يصبح فارغًا حين يصدر عن كيان لم يعرف من السلام سوى اسمه، ولم يمارس من السياسة سوى فرض الأمر الواقع ثم تغليفه بلغة ناعمة تخدع من يكتفون بقراءة العناوين.

تعليقات
إرسال تعليق